محمد متولي الشعراوي
1725
تفسير الشعراوى
اذكر يا محمد : وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 121 ) ( الآية 121 سورة آل عمران ) و « تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ » أي توطن المؤمنين في أماكن للقتال ، وبوأت فلانا يعنى : وطنته في مكان يبوء إليه أي يرجع ، واسمه وطن ؛ لأن الوطن يرجع إليه الإنسان . انظر إلى الدقة الأدائية لقول الحق : « وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ » أي تجعل لهم مباءة ووطنا . وكلمة « مقاعد » أي أماكن للثبات ، والحرب كرّ وفرّ وقيام ، والذي يحارب يثبته اللّه في المعركة ، فكأنه موطّن في الميدان ، فكأن أمر الرسول إلى المقاتلين يتضمن ألا يلتفت أي منهم إلى موطن آخر غير موطنه الذي ثبتّه وبوّأته فيه أي إن هذا هو وطنك الآن ؛ لأن مصيرك الإيمانى سيكون رهنا به . إذن فقوله : « وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ » أي توطن « الْمُؤْمِنِينَ » وتقول لهم : إن وطنكم هو مقاعدكم التي ثبتكم بها . ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم جاء بالرماة ؛ وأمّر عليهم « عبد اللّه بن جبير » وهم يومئذ خمسون رجلا وقال رسول اللّه لهم : « قوموا على مصافكم هذه فاحموا ظهورنا فإن رأيتمونا قد انتصرنا فلا تشركونا ، وإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا » « 1 » . لكنهم لم يقدروا على هذه لأن نفوسهم مالت إلى الغنيمة ؛ وشاء اللّه أن يجعل التجربة في محضر من رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم : حتى يبين للمؤمنين في كل المعارك التي تلى ذلك أن اتباع أمر القائد يجب أن يكون هو الأساس في عملية الجندية . وإنكم إن خالفتم الرسول فلابد أن تنهزموا .
--> ( 1 ) رواه ابن سعد وابن هشام والبخاري بنحوه .